يومان في باريس ***/****
عاشقان في باريس، يتحابان، يتشاجران، ثم حيرة دائمة معهما!
ما الذي يعنيه.. يومان في باريس؟
يتبادر إلى الذهن لحظة سماع اسم الفيلم أننا سوف نؤخذ في رحلة إلى عاصمة الفن بصحبة بطلة الفيلم (جولي دلبي) المخرجة و الكاتبة أيضاً. و لا بد أنها ستكون رحلة في كنف مثقفة واعية، تعرف من أين تبدأ و متى تبدأ. و ما يعزز هذا الاعتقاد أنها بصحبة صديقها العشيق، و هي هنا تحاول أن تأخذ دور المرشد السياحي لكن ليس لفوج بل فقط شخص واحد مقبول في هذه الرحلة اللذيذة إلى عاصمة النور كما تُلقب. هذا ما يتمناه و يعيشه البطل الآخر المتمثل في أداء دور الرجال الممثل (آدم غولدبيغ). هو صديق الممثلة المقرب في الواقع كما الفيلم.
ليس هذا ما يشبه الواقع فقط بل أن الممثلة البارعة جعلت والديها يمثلان في الفيلم و يأخذان دور الوالدان أيضاً. و هو الشيء الممتع المضاف إلى الحوار الرائع الشبيه بما قدمته في فيلمين سابقين مع الممثل (إيثان هوك) هما (قبل شروق الشمس) وَ (قبل غروب الشمس).
حوار شبيه بحوار المثقفين، و أعتقد أنه هنا لهذا السبب، الفيلم لمجموعة من المثقفين، يبدأ هكذا بمحاولة السياحة في باريس الفن و التاريخ العريق الذي صنعه الكتاب و الروائيين من جميع الأجناس و خلقوا جواً عالياً من الخيال الذي صاغوه في شكل حلم جميل على مدى قرون، ثم تبدأ الجدية، ثم تعقبها الجدية الشديدة لتحال إلى توحش نوعاً ما، إلى أن تتعقد الأمور و ما من مَخرج!
يقرر العشيقان قضاء يومين في باريس قبل أن يعودا إلى نيويورك مقرهما الدائم، يتعرف فيها الرجل على حياة المرأة في بيئتها التي تربت فيها، و التعرف على كل ما كانت تعيشه مع والديها، الأب الرسام و صاحب المعارض، و الأم ربة المنزل،و الأخت العزباء، و الأصدقاء في مجتمع باريس الغريبي الأطوار، و من كانوا عشاقها و أصدقاءها في فترة من الفترات.
تمثيل جولي دلبي في الفيلم بارع و مركز و حريفة جداً، لم أجد لها ثغرة في الفيلم، ليس هناك إفلات من الدور منها، متحكمة جداً في أدائها، لا تشعرك أنها جولي دلبي، بل هي ماريون المثقفة التي تثور على أقل خطأ غير أخلاقي، و تكره العنصرية، و لا تريد أن يكون وجه باريس وقحاً كما يفعل بعض أو أكثر أهلها في السياح الأجانب، هكذا تبدو و تريد هي أن تبدو، لأن طبيعتها هكذا، فهي عاشقة نعم لكن ليست الغبية، أو المتسلطة التي تنفر من وجودها. بل إنك تكتشف أن هذا كان ديكوراً أو قناعاً لطيبتها.
صديقها أمريكي خالص، يشعرك أنه أمريكي، لا يعرف غير الأمركة، يُدعى (جاك) و هو أسم شعبي أمريكي جداً، يحب أن يكون مجِاملاً كشخصية (مايلز) الشخصية التي أداها باول غياماتي في فيلم (جانبي) Sideways. لكن جاك هنا غير معني بتعريف نفسه، إنه أمريكي طويل، و ممتلئ بالأوشام، و يدخن السيجارة و تكاد لا تفارق شفتيه، إلا في المشاهد الداخلية. يصلح أن يكون عشيق ماريون بكل جدارة.
ما أن تتأزم الأوضاع في الرواية الفيلم حتى نصل إلى نسيان الثقافة التي عودنا عليها الفيلم و يأخذ الفيلم طريقاً مغايراً و يبدو كشخص باريسي وقح، لا يراعي الذوق العام، بل تراه يشتم و يهين و يعرف كيف يفعل كل هذا، كمشهد غضب ماريون في المطعم على مُغتصب الأطفال الذي كان صديقها المقرب قبل سبع سنوات أي قبل التعرف على جاك بخمس سنوات، لم تمهله دقيقة واحدة بل حاولت ضربه، مما أضطر صاحب المطعم إلى طردها، حتى لا تهرب الزبائن، لكن لم ينج من لسان ماريون اللاذع، فقد ذكرته بأن هذا سيكون وجه باريس المقبل، أو بما معناه.
الرحلة ليست صادمة أو تحتوي على أشرار تخاف أن يقتلوا بطلك المفضل بعد أن تعرفت عليه، و أحببته، كن على ثقة أن الفيلم بكل ما فيه هو شيء واقعي ممكن حصوله، و ليس هناك ذلك الأمر المقزز الذي يؤثر، عدا بعض الشتائم إلى العرب، حين أُتهم جاك خطأ و التباساً من امرأة سُرقت حقيبتها من زُقاقي، كان يلبس مثل جاك، لتنهال عليه المرأة الوقحة بالشتائم، من قبيل: سارق عربي. التي أصبحت كأنها تُهمة، أن تكون عربياً. فأنت مجرم إذن تستحق أن تكون عربياً، و أن كنت عربياً لا مفر من إطلاق لقب يا عربي! ربما يكون شيئاً رخيصاً لكن هؤلاء الأوربيون على ثقافتهم تتدمر شخصياتهم أمام الرغبة المتوحشة التي بداخلهم.. ربما!

No comments:
Post a Comment